المقام الثّالث

أحكام المُسابقة بلا عوض

 

أحكام المُسابقة بلا عوض

بعض الأفعال ورد النصّ في جواز المُسابقة والمُغالبة عليها، بعوض وبغيره، كالسّبق في خف أو حافر أو نصل, وأمّا البعض الآخر منها, كالمُصارعة وحمل الأثقال والجري على الأقدام والسّباحة والقفز والوقوف على رجل واحدة، وكالمُسابقة على السّفن والكلاب والطّيور، والمكث في الماء، وحفظ الأشعار ورمي البنادق وغيرها، فالمُسابقة على مثل هذه الأمور، صار مورداً للاختلاف في الآراء، فقد ذهب المشهور إلى عدم الجواز، كما عن صاحب الرّياض، وحُكى الإجماع عن جماعة، منهُم المُحقّق الثّاني.([1])

وقد نُقل عن الشّيخ في المبسوط، قوله: فأمّا ما لم يرد فيه الخبر، فمذهبنا أنّه لا يجوز المسابقة عليه، لأنّ النّبيّ1 نفى أن تكون المُسابقة إلاّ في الثّلاثة الأشياء، فمن ذلك المُسابقة بالأقدام أو إلى حبل، أو على أن يدحو حجراً، أو على المُصارعة أو الطّير، خمس مسائل: فالمُسابقة بالأقدام يكون على ضربين: إمّا أن يتعاديا، فأيّهما سبق صاحبه فهو السّابق، أو يكون للمدى شيءٌ معلومٌ فهو جائز بلا عوض، بلا خلاف، وفي كونه بعوض فيه خلاف، وقد بيّنا أنّ عندنا لا يجوز بحال، فمن أجازه استدلّ بما روي، أنّ النّبيّ1 سابق عائشة.

وأمّا المُسابقة على أن يدحو حجراً، يدفعه من مكان إلى مكان؛ ليعرف به الأشد، فلا يجوز بعوض وبغير عوض؛ لأنّه لا يقاتل بها. والمُسابقة بالمُصارعة بغير عوض أجازه قوم أمّا بعوض، ففيه خلاف، فمن أجازه قال: لما روي أنّ النّبيّ1 خرج إلى الأبطح، فرأى يزيد بن ركانة يرعى أعنزاً له، فقال للنّبيّ: هل لك في أن تُصارعني؟ فقال له النّبيّ1: ما تسبق لي؟ فقال: شاة، فصارعه فصرعه الّنبيّ1 فقال للنّبيّ: هل لك في العود؟ فقال النّبيّ: ما تسبق لي؟ فقال: شاة، فصارعه فصرعه، فقال للنّبيّ أعرض عليّ الإسلام، فما أحد وضع جنبي على الأرض، فعرض عليه الإسلام فأسلم، وردّ عليه غنمه. والأقوى، أنّه لا يجوز لعُموم الخبر. وأمّا المُسابقة بالطّيور، فإن كان بغير عوض، جاز عندهم، وإن كان بعوض، فعلى قولين، وعندنا لا يجوز للخبر. وأمّا المُسابقة بالسّفن والزّوارق، فقال قوم يجوز، وقال آخرون لا يجوز، وهو الصّحيح عندنا للخبر.([2])

وذكر العلامة في إرشاد الأذهان، ما نصّه:

السّبق والرّماية إنّما يصحّان في السّهم، والنّشاب، والحراب، والسّيف، والإبل، والفيلة، والفرس، والحمار، والبغل، دون الطّيور، والقدم، والسّفن، والمُصارعة وشبهها. فإن اكتفينا بالإيجاب فهو جائز، وإلاّ فلازم.([3])

واختار البعض الجواز، منهم الشّهيد الثّاني، وتبعه على ذلك جملة من الأصحاب، منهم المُحقّق الأردبيلي، في مجمع الفائدة، حيث قال: وأمّا مثل السّبق بالأقدام، والمُصارعة وغير ذلك، فالظّاهر الجواز للأصل، ويدلّ بعض الرّوايات على جواز المُصارعة، وفعل الحسنين6 مشهور، وهو موجود في الأمالي وغيره. ويؤيّده، وجوده بين المُسلمين من غير منع، وإن فيه غرضاُ صحيحاً غير ظاهر القُبح.

ولا دلالة في الخبر ـ على الوجهين ـ على التّحريم، أمّا على الأوّل، فلما ذُكر؛ ولأنّه قد يُقال معناه، أن لا لزوم أو لا يملك للسبق والعوض، إلاّ في هذه الثّلاثة، من بين الأسباق والأفعال، التي يُسابق عليها، فلا يدلّ على تحريم الفعل. والمُلاعبة مع العوض، والرّهانة أيضا، بل لا يدلّ على تحريم العوض أيضاً، وهو ظاهر.

وأمّا على الثّاني؛ فلأنّه يُحتمل أن يكون معناه ـ حيث إنّ السّبق بالسّكون مصدر سبق. صرّح به في التّذكرة وعدمه ـ أن لا اعتداد لسبق في أمثال هذه الأمور، إلاّ في هذه الثّلاثة، أو أنّه لا يجوز المُلاعبة بالسّبق، والمُسابقة إلاّ في هذه الثّلاثة، فلا يدلّ على تحريم الفعل من غير رهانة وقمار، بل الأخير يدلّ على تحريم هذا، إلاّ أنّ معناه، أن لا مشروعيّة، والجواز للسبق إلاّ للسّبق في هذه الأمور الثّلاثة، فإنّ هذا المعنى، وإن كان يُمكن فهمه، ولكن ليس بنصّ فيه ولا ظاهر، فإنّه يحتاج إلى تقدير، بل إخراج السّبق، الذّي هو مصدر سبقه يسبقه عن معناه، وجعله بمعنى فعل يُمكن فيه، مع عدم ظهور سندها. ويُحتمل أن يكون منشأ الخلاف غير ذلك. ثمّ إنّ الذّي يظهر من التّذكرة، الإجماع على جواز المُسابقة على الأمور المذكورة.([4])

والمُهمّ، هو مُلاحظة الأدلّة. ففي المقام، نقول:

قد اُستدلّ على الحُرمة بعدّة أدلّة:

الدّليل الأوّل: الإجماع.

ولكن الإشكال فيه، أوضح من أن يخفى، فهو ليس إجماعاً تعبّدياً ، بل هو إجماع مدركي؛ يحتمل استناد المُجمعين فيه إلى بعض النّصوص، التي سوف نُشير إليها ونُناقشها.

الدّليل الثّاني: جملة من النّصوص الدّالّة على النّهي عن السّبق، إلاّ في خف أو حافر أو نصل، كرواية عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله4: قال: سمعته يقول: لا سبق إلاّ في خف أو حافر أو نصل.([5])

وغيرها من الرّوايات

ولكن هذه الرّوايات، بغض النّظر عن سندها، لا تدلّ على المطلوب؛ لأنّه لا يُعلم، أنّ كلمة السّبق الواردة فيها، هل بسكون الباء أو بفتحها؟ فبناءً على قراءة الفتح، وهي القراءة المشهورة ـ كما عن الشّهيد الثّاني في المسالك، حيث قال: والمشهور في الرّواية فتح الباء من سبق، وهو العوض المبذول للعمل([6]) ـ فيكون معنى تلك الرّوايات هو حُرمة العوض، الذّي يُتسابق عليه؛ لأنّ السّبق ـ بالفتح ـ هو العوض الذّي يتراهن عليه، ولا أقل من ورود الاحتمال، وإذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال.

وبعبارة أُخرى: إنّ الاستدلال مبنيّ على أنّ السّبق بالسّكون، الذّي هو مصدر سبق، أي التّقدّم على آخر، فيكون معنى النّفي، هو نفي مشروعيّة المُسابقة، وإن لم تكُن بعوض، وهذا غير ثابت؛ لاحتمال أن يكون السّبق بالفتح، كما هو المشهور، ومع ورود هذا الاحتمال، لا يبقى مجال للاستدلال بهذه الرّواية.

الدّليل الثّالث: موثّقة زرارة، عن أبي عبد4 حيث إنّه سُئل عن الشّطرنج، ولعبة شبيب، التي يُقال لها لعبة الأمير، وعن لعبة الثّلث، فقال: أرأيتك إذا ميّز الله الحقّ والباطل، مع أيّهُما تكون؟ قال: مع الباطل. قال: فلا خير فيه.([7])

وتقريب الاستدلال بها:

إنّ التّعبير بـ(لا خير فيه) وإن كان لا يدلّ على الحُرمة، بل الأعم من الكراهة والحُرمة، لكن اشتمال الرّواية على ما هو مقطوع الحُرمة، وهو اللعب بالشّطرنج، يعد قرينة على أنّ هذا التّعبير، أي [لا خير فيه] كناية عن حُرمة الارتكاب، وبمُقتضى إطلاقها تدلّ على حُرمة مُطلق اللعب والمسابقة، سواء كان برهان أو بدونه.

وفيه: إنّ الموثقة تدلّ على حُرمة المُسابقة، التي تكون من قبيل اللهو والباطل، أمّا المُسابقة التي تهدف إلى أغراض عُقلائيّة، فلا تشملها الرّواية؛ لأنّها ليست من الباطل.

الدّليل الرّابع: الرّوايات الدّالّة على حُرمة مُطلق اللهو.

كقوله4: كُلّ ما ألهي عن ذكر الله فهو من الميسر.([8])

وأجاب عن ذلك سيّد مشايخنا? بما نصّه:

إنّه لا دليل على حُرمة مُطلق اللهو، فإنّ كثيراً من الأمور تعدّ من اللهو، مع أنّها ليست بحرام، كاللعب بالأحجار والأشجار والبسمة واللحية وأزرار الثّوب ونحوها.([9])

وفيه:

إنّه قد تقدّم في بحث اللهو، بأنّ الرّوايات قد دلّت، على أن مُطلق اللهو حرام، وفاقاً لجُملة من الفُقهاء المُتقدمين والمُتأخرين، إلاّ ما خرج بالدّليل، والأمثلة التي ذكرها? هي من اللعب غير اللهوي، وهي غير اللهو. واللعب أعمّ من اللهو من وجه، فإنّ اللعب يشمل ما يكون من قبيل الحركات غير العُقلائيّة.

وأجاب?:

إنّه لا مُلازمة بين ما نحن فيه وبين اللهو؛ فإنّ الشّبه بينهُما، هو العُموم من وجه، إذ كثيراً ما تكون المُسابقة للأغراض العُقلائيّة، من تربية البدن ومعالجته، والتّنزّه والتّفريح.([10])

وهذا الجواب متين.

الدّليل الخامس: الأدلّة الدّالّة على حُرمة القمار، صادقة على مُطلق المُغالبة، ولو بدون عوض، كقوله تعالى: ]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ[.([11])

روى الصّدوق عن جابر، عن أبي جعفر4 قال: لما أنزل الله تبارك وتعالى: ]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ[. قيل: يا رسول الله، ما الميسر؟ قال: كُلّ ما تقوم به، حتّى الكعاب والجوز.([12])

وروى الكليني عن مُعمر بن خلاد، عن أبي الحسن4 قال: النّرد والشّطرنج والأربعة عشر بمنزلة واحدة، وكُلّ ما قومر عليه فهو ميسر.([13])

وغيرها من الرّوايات.

والجواب على ذلك، كما ذكر سيّد مشايخنا?: إنّ الرّهان مأخوذ في مفهوم القمار، سواء كان اللعب بالآلات المُعدة له أم لا، فالمُسابقة بغير المُراهنة خارجة عن القمار موضوعاً. وإطلاق القمار عليها أحياناً لا يدلّ على الحقيقة، فإنّه أعمّ من الحقيقة والمجاز، وحُرمة اللعب بالنّرد والشّطرنج من جهة الأدلّة الخاصّة، لا من جهة صدق مفهوم القمار عليه.([14])

إلى هنا توصّلنا، إلى أنّه لامانع من المُسابقة بغيرعوض؛ وذلك لقصور أدلّة المنع.

 


[1]) رياض المسائل: 2/41.

[2]) المبسوط: 6/291.

[3]) إرشاد الأذهان: 1/431.

[4]) مجمع الفائدة: 10/168.

[5]) الكافي: 5/48، الوسائل: 19/253، ب 3، ح 2.

[6]) المسالك: 6/69 ـ 70.

[7]) الكافي: 6/436، الوسائل: كتاب التّجارة، ب102 من أبواب ما يتكسب به، ح5.

[8]) الأمالي للشّيخ الطّوسي: 336.

[9]) مصباح الفقاهة: 35/582.

[10]) نفس المصدر السّابق.

[11]) المائدة: 90.

[12]) من لايحضره الفقيه: 3/160.

[13]) الكافي: 6/435.

[14]) مصباح الفقاهة: 35/581.