تنقسم الأفعال التي يقوم بها الإنسان، ولم يدلّ دليل خاصّ على حُرمتها، إلى قسمين:
القسم الأوّل: الأفعال التي تترتّب عليها أغراض وغايات عُقلائيّة، وفوائد فرديّة واجتماعيّة، كالتّمارين الرّياضيّة، التي يقوم بها الإنسان، بقصد تقوية البدن ونحوها.
فلا يوجد من يقول بحُرمتها، بل هي مطلوبة شرعاً؛ لأنّ الشّريعة قد عَنت بها كثيراً، واهتمّت بكُلّ شيء من شأنه إيصال الإنسان إلى كماله وسعادته، ولا ريب أنّ الأفعال التي تؤدّي إلى تقوية البدن والرّوح، موجبة لسعادة وكمال الإنسان والمُجتمع، كما صرّحت الأخبار الشّريفة مثل قوله1: «المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف» بل ويرشد إلى ذلك بوضوح وجلاء، قوله تعالى:
]وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ[.([1])
حيث إنّ الإعداد، يقتضي القيام ببعض الأفعال، التي تؤدّي إلى القوّة البدنيّة والرّوحيّة، ويكفي دليلاً على جوازها أصالة البراءة.
القسم الثّاني: الأفعال التي لا تترتّب عليها أغراض وغايات عُقلائيّة، والمُعبّر عنها: باللهو أو اللعب، وقد ذهب جُملة من الأصحاب إلى حُرمتها,حيث قال الشّيخ في المبسوط، بعد أن قسّم السّفر إلى أربعة أقسام:
«...الرّابع سفر معصية، مثل باغ أو عاد أو سعاية أو قطع طريق، وما أشبه ذلك، من اتباع سلطان جائر في طاعته، مُختاراً، أو طلب صيد للهو والبطر، فإنّ جميع ذلك لا يجوز فيه التّقصير، لا في الصّوم ولا في الصّلاة.».([2])
والظّاهر من كلام الشّيخ هو كون المعصية والحُرمة، من جهة اللهو.
وقال ابن إدريس في السّرائر، مثل ذلك.([3])
وقال أيضاً في باب كيفيّة الشّهادة:
«...ويقبل شهادة المُتخذ للحمام، غير اللاعب بها، والمُسابق والمراهن عليها، إذا لم يُعرف منه فسق. وقول شيخنا في نهايته: وتقبل شهادة من يلعب بالحمام. غير واضح؛ لأنّه سمّاه لاعباً، واللعب بجميع الأشياء قبيح، فقد صار فاسقاً بلعبه، فكيف تقبل شهادته؟ وإنّما أورد لفظ الحديث إيراداً، لا اعتقاداً».([4])
وقال المُحقّق في المُعتبر:
«...قال عُلماؤنا: اللاهي بسفره كالمُتنزه بصيده بطراً، لا يترخّص في صلاته ولا في صومه، وقال الشّافعي، وأبو حنيفة: يترخّص.
لنا.([5]) إنّ اللهو حرام، فالسّفر له معصية، ولأنّ الرّخصة لتسهيل الوصول إلى المصلحة، ولا مصلحة في اللهو...».([6])
وقال العلامة في القواعد:
«...الخامس: إباحة السّفر، فلا يقصر العاصي به، كتابع الجائر، والمتصيّد لهواً، وهو كسابقه يدلّ أنّ المعصية من جهة اللهو».([7])
وقال أيضاً في المُختلف:
«...قال أبو الصّلاح: ومن المُحرّمات، الرّمي عن قوس الجلاهق. والإطلاق ليس بجيّد، بل ينبغي التّقييد بطلب اللهو والبطر. أمّا لو قصد به الصّيد للقوت، أو للتّجارة أو فعل لدفع الخصم، أو لغير ذلك، ممّا هو مُباح فالوجه الإباحة.».([8])
وقال ابن فهد الحلّي، في المُهذب البارع:
«...يجوز في غيرها، سواء كان بعوض أو خلت عنه؛ عملاً بعموم النّهي عن الرّهان في غير الثّلاثة، ولأنّها لهو وقداح، إلاّ ما خرج بالنّصّ، وهي الثّلاثة المذكورة، ولا يجوز فيما عداها...».([9])
وهو كما تلاحظ قد علّل الحُرمة بأنّه من اللهو.
واستدلّ على الحُرمة، صاحب الرّياض أيضاً بنفس ذلك.([10])
وذهب جماعة من الأعلام إلى أنّه ليس مُطلق اللهو حراماً، حيث قال الشّيخ الأنصاري:
«...فإنّه إن أريد به مُطلق اللعب، كما يظهر من الصّحاح والقاموس، فالظّاهر أنّ القول بحُرمته شاذّ، مُخالف للمشهور والسّيرة، فإنّ اللعب هي الحركة، لا لغرض عُقلائي، ولا خلاف ظاهراً في عدم حُرمته على الإطلاق. نعم، لو خُصّ اللهو بما يكون عن بطر، وفُسّر بشدّة الفرح، كان الأقوى تحريمه، ويدخل في ذلك الرّقص والتّصفيق، والضّرب بالطّشت بدل الدّف، وكُلّ ما يُفيد فائدة آلات اللهو...».([11])
وقال سيّد مشايخنا?:
«...لا خلاف بين المُسلمين قاطبة، في حُرمة اللهو في الجُملة، بل هي من ضروريّات الإسلام، وإنّما الكلام في حُرمته على وجه الإطلاق. فظاهر جُملة من الأصحاب، بل صريح بعضهم، وظاهر بعض العامّة، أنّ اللهو حرام مُطلقاً...».([12])
ثمّ قال، بعد أن استعرض أدلّة الحُرمة:
«...والحاصل، أنّه لا دليل على حُرمة اللهو على وجه الإطلاق، وممّا ذكرنا ظهر أيضاً، إنّا لا نعرف وجهاً صحيحاً لما ذكره المُصنّف([13]) من تقوية حُرمة الفرح الشّديد».([14])
وكيفما كان، فإنّ الأولى أن نصرف عنان الكلام، إلى ذكر ما يكون دليلاً على الحُرمة، ومُقدار الدّلالة، وقد ذكر لذلك مجموعة من الرّوايات، وهي على أربع طوائف:
الطّائفة الأولى: الرّوايات الدّالة على وجوب الإتمام على المُسافر، إذا كان سفره للصّيد اللهوي.
منها: صحيحة زرارة، عن أبي جعفر4 قال: سألته عمّن يخرُج من أهله بالصّقورة والبزاة والكلاب، يتنزّه الليلة والليلتين والثّلاث، هل يقصر من صلاته أم لا يقصر؟ فقال4: إنّما خرج في لهو، لا يقصر.([15])
ومنها: صحيحة صفوان، عن أبي عبد الله4 قال: سألت أبا عبد الله، عن الرّجل يتصيّد، فقال: إن كان يدور حوله فلا يقصر، وإن كان تجاوز الوقت فليقصر.([16])
ومنها: موثقة عُبيد بن زرارة، قال: سألت أبا عبد الله4 عن الرّجل يخرج إلى الصّيد، أيقصر أو يتم؟ فقال: يتم؛ لأنّه ليس بمسير حقّ.([17]) وغيرها من الرّوايات.
وتقريب الاستدلال بهذه الطّائفة من الرّوايات:
إنّها تدلّ بالمُطابقة على وجوب الإتمام على المُسافر، إذا كان سفره للصّيد اللهوي، وبالالتزام على حُرمة اللهو؛ إذ لا يوجد وجه لإتمام الصّلاة، إلاّ كون السّفر معصية، للصّيد اللهوي.
وفيه: إنّه لا توجد مُلازمة بين كون السّفر لأجل اللهو، غير موجب للقصر، وبين كونه معصية، (ضرورة صدق التعدّد لموضوعي اللازم والملزوم, والتفكيك بينهما في موارد الفقه غير عزيز, كما في قوله4: «لا تبع وقت النداء») فتأمل.
الطّائفة الثّانية: ما دلّ على أنّ اللهو من الكبائر.
منها: صحيحة الفضل بن شاذان، عن الإمام الرّضا4 في كتابه إلى المأمون، حيث ذكر فيها، من جُملة ما يجتنب عنه من الكبائر، الاشتغال بالملاهي.([18])
ومنها أيضاً رواية الأعمش.([19])
ولكن هذه الطّائفة من الرّوايات لا تصلح للاستدلال؛ لأنّ الظّاهر من الاشتغال بالملاهي، هو استعمال آلات اللهو، وهو مما لا إشكال ولاخلاف في حُرمته.
الطّائفة الثّالثة: وهي روايات كثيرة جداً، دالّة على حُرمة استعمال الملاهي والمعازف.
ولكن هذه الطّائفة من الرّوايات أيضاً لا تدلّ على المطلوب؛ لأنّها أخص من المُدعى، فإنّها واردة في قسم خاصّ من اللهو، وهو الاشتغال بالملاهي والمعازف، وقد عرفت أنّه لا كلام ولا نزاع في حُرمته، بل قد يعدّ من الضّروريات.
الطّائفة الرّابعة: الرّوايات الوارد فيها لفظ اللهو بخصوصه.
منها: رواية عبد الله بن عليّ، عن عليّ بن موسى، عن آبائه، عن عليّ4 قال: كُلّ ما ألهي عن ذكر الله فهو من الميسر.([20])
ومنها: مرفوعة عليّ بن اسماعيل، قال: قال رسول الله1:
اركبوا وارموا، وإن ترموا أحبّ إليّ من أن تركبوا، ثمّ قال: كُلّ لهو المؤمن باطل، إلاّ في ثلاث: في تأديبه الفرس، ورميه عن قوسه، وملاعبته امرأته... .([21])
وفيها([22]): إنّه لابدّ من صرف الرّوايتين عن الحُرمة؛ وذلك لأنّه لو حملناهما على الحُرمة، للزم تحريم أغلب المُباحات والمكروهات، وهذا غير مُمكن. وتوهم بأنّ كُلّ ما ثبت جوازه يخرج عن العموم فاسد؛ لاستلزامه تخصيص الأكثر وهو قبيح.
الطّائفة الخامسة([23]): وهي الرّوايات الدّالّة على حُرمة الغناء، وقد عُلّلت الحُرمة، بأنّ الغناء من اللهو والباطل، فيستفاد منها حُرمة كُلّ لهو، وأنّ حُرمته مفروغ منها.
منها: موثقة عبد الأعلى، قال: سألت أبا عبد الله4 عن الغناء، وقُلت: إنّهم يزعمون أنّ رسول الله1 رخّص في أن يُقال: جئناكُم جئناكُم، حيونا حيونا نحيكم، فقال: كذبوا إنّ الله عزّوجلّ، يقول: ]وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ* لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لاَتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ* بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمْ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ[.([24])
ثمّ قال: ويل لفُلان! مما يصف رجلاً لم يحضر المجلس.([25])
ومنها: رواية مُحمّد بن أبي عباد، قال: سألت الرّضا4 عن السّماع، فقال: لأهل الحجاز فيه رأي، وهو في حيّز الباطل واللهو، أما سمعت الله عزّوجلّ يقول: ]وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا[([26]).و([27])
ومنها: صحيحة الرّيان بن الصّلت، قال سألت الرّضا4 يوماً بخراسان، فقلت: يا سيدى، إنّ إبراهيم بن هاشم العبّاسي، حكى عنك، أنّك رخّصت له استماع الغناء، فقال: كذب الزّنديق، إنّما سألني عن ذلك، فقُلت له: إنّ رجلاً سأل أبا جعفر4 عن ذلك، فقال له أبو جعفر4: إذا ميّز الله بين الحقّ والباطل، فأين يكون الغناء؟ فقال: مع الباطل. فقال له أبو جعفر4: قد قضيت.([28])
وغيرها من الرّوايات.
وتقريب الاستدلال بهذه الرّوايات، نقول:
إنّ هذه الرّوايات دلّت على حُرمة كُلّ باطل، وجعلت الغناء الذّي هو من اللهو، في الباطل. فتكون النّتيجة هي حُرمة كُلّ لهو.
فلو كان اللهو على قسمين: قسم مُرخص فيه، وقسم غير مُرخص فيه، فكيف صحّ تعليل حُرمة الغناء، بأنّه من الباطل، فإنّما يصحّ مع فرض، أنّ كُلّ لهو باطل، وكُلّ باطل حرام.
فحُرمة الغناء، مُتوقفة على حُرمة كُلّ أقسام اللهو، فيثبت، أنّ مُطلق اللهو حرام.
وهكذا فإنّ الطّائفة الرّابعة، والطّائفة الخامسة من الرّوايات، دلّتا على أنّ مُطلق اللهو حرام، إلاّ ما خرج بالدّليل، أو قامت الضّرورة على جوازه، وإلاّ فالأصل في كُلّ لهو هو الحُرمة، بحسب ما أرشدت إليه تلك الرّوايات.
وقول جُملة من الأعلام، من أنّه ليس مُطلق اللهو حراماً، كلام متين؛ لأنّنا نعلم بخُروج جُملة ممّا هو من اللهو، عن الحُرمة، كمُلاعبة المرأة وغيرها، لكن القاعدة تقتضي حُرمة كُلّ لهو، إلاّ ما خرج بالدّليل، من نصّ أو ضرورة أو إجماع، ثمّ أنّ شيخنا الأعظم? قال في المكاسب المُحرّمة:
...واعلم، أنّ هُنا عنوانين آخرين: اللعب واللغو، فقد عرفت، أنّ ظاهر بعض ترادفهما،... وفي غير موضع من الكتاب العزيز تغايرهما. ولعلّهما من قبيل الفقير والمسكين، إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا. ولعلّ اللعب يشمل مثل حركات الأطفال، غير المُنبعثة عن القوى الشّهويّة. واللهو، ما تلتذّ به النّفس، وينبعث عن القوى الشّهويّة. وقد ذكر غير واحد، أنّ قوله تعالى: ]أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ[([29]) بيان ملاذ الدّنيا، على ترتيب تدرّجه في العُمر، وقد جعلوا لكُلّ واحد منها ثمان سنين. وكيف كان، فلم أجد من أفتى بحُرمة اللعب، عدا الحلّي، على ما عرفت من كلامه، ولعلّه يُريد اللهو، وإلاّ فالأقوى الكراهة. وأمّا اللغو، فإن جُعل مُرادف اللهو ـ كما يظهر من بعض الأخبارـ كان في حُكمه.
ففي رواية مُحمّد بن أبي عباد المُتقدّمة، عن أبي الحسن الرّضا4. إنّ السّماع في حيّز اللهو والباطل، أما سمعت قول الله تعالى: ]وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا[([30]). وإن أريد به مُطلق الحركات اللاغية، فالأقوى فيها الكراهة.
وفي رواية أبي خالد الكابلي، عن سيد السّاجدين4: تفسير الذّنوب التي تهتُك العصم بـ : شُرب الخمر، واللعب بالقمار، وتعاطي ما يُضحك النّاس، من اللغو والمزاح، وذكر عيوب النّاس([31]).و([32])
وفي كلامه? مواضع للنّظر.
أوّلاً: إنّه لم يجزم بالفرق، بين اللعب واللهو.
ولكن الظّاهر، كما ذكر أبو هلال العسكري، في الفروق اللغويّة، من أنّ اللعب أعمّ من اللهو من وجه، فإنّه ليس كُلّ لعب لهواً، وليس كُلّ لهو لعباً، حيث قال:
الفرق بين اللهو واللعب:
اللهو: ما يشغل الإنسان عما يعنيه ويهمه.
واللعب: طلب المزح بما لا يحسُن أن يُطلب به. قيل واشتقاقه اللعاب، وهو المرور على غير استواء، كلعب الطّفل.([33])
ونُضيف إلى ذلك، كما ذكر هو?([34]) غير جازمٍ به، حيث قال: فإنّ اللعب، هي الحركة لا لغرض عُقلائي، ولا خلاف ظاهراً في عدم حُرمته على الإطلاق. نعم، لو خصّ اللهو بما يكون عن بطر، وفُسّر بشدّة الفرح، كان الأقوى تحريمه، ويدخُل في ذلك الرّقص، والتّصفيق، والضّرب بالطّشت بدل الدّف، وكُلّ ما يُفيد فائدة آلات اللهو. ولو جعل مُطلق الحركات التي لا يتعلّق بها غرض عُقلائي، مع انبعاثها عن القوى الشّهويّة، ففي حُرمته تردّد.([35])
ومن هُنا يتضح، بأنّ الكثير من الأمور، والتي قيل بخروجها من اللهو، كاللعب باللحية، هو في واقعه غير داخل في حيّز اللهو، بل هو من أقسام اللعب، فليس ذلك تخصيصاً لإطلاق أدلّة حُرمة اللهو.
والحاصل: إنّه ليس مُطلق اللعب حراماً، بل ما كان في حيّزاللهو.
ثانياً: إنّه لا وجه لتردّده في الفرق بين اللهو واللغو، فإنّ اللغو، هو مخصوص بالكلام، وهو على قسمين: قسم منه هو الكلام الذّي لا غرض عُقلائي فيه، والثّاني ما هو يكون لهواً، كالغناء. واللهو أعمّ من اللغو، من جهة شموله على الكلام وغيره، وعليه لا يكون مُطلق اللغو حراماً، بل ما كان منه من اللهو، والآية لا دلالة فيها، على أنّ اللغو مُرادف له؛ لأنّه من الاستعمال.
نعم، قد يُستدلّ على حُرمة مُطلق اللغو بوجوه:
الوجه الأوّل: قوله تعالى: ]وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا[.
وتقريب الاستدلال:
إنّ الآية الشّريفة في مقام ذمّ اللغو، ومدح التّاركين له.
وفيه: إنّ الذّم أعمّ من الحُرمة، نعم هي دالّة على مرجوحيّته، ورجحان التّجنّب عنه.
الوجه الثّاني: قوله تعالى: ]قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ* الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ* وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ[([36]).
ووجه الدّلالة في هذه الآية الكريمة:
إنّها في مقام تحديد المؤمن، وقد جعلت أحد سماته، هو الإعراض عن اللغو، فيُفهم، أنّ الخوض في اللغو، موجب لخروج الإنسان عن الإيمان، الذّي يعني الالتزام بالشّريعة، وهو أخصّ من الإسلام.
وفيه: إنّ الآية لا دلالة لها، على أكثر من رجحان ترك الخوض في اللغو، وإنّ اللغو أمر مرجوح، كالآية السّابقة.
الوجه الثّالث: قوله تعالى: ]وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لاَ نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ[([37]).
والكلام في الاستدلال فيها، كالكلام في الآيتين السّابقتين.
الوجه الرّابع: رواية أبي خالد الكابلي، التي تقدّم نقلها في كلام شيخنا الأعظم?.
وهذه الرّواية، لا تخلو من دلالة، إلاّ أنّ في سندها، بكر بن عبد الله بن حبيب.
الوجه الخامس: وصيّة النّبيّ1 لأبي ذر.
عن أبي الأسود، قال: قدمت الرّبذة، فدخلت على أبي ذر، جُندب بن جنادة، فحدّثني أبو ذر، قال: دخلت ذات يوم في صدر نهاره على رسول الله1 في مسجده، فلم أر في المسجد أحداً من النّاس، إلاّ رسول الله1 وعليّ4 إلى جانبه جالس، فاغتنمت خلوة المسجد، فقلت: يا رسول الله، بأبي أنت وأمّي! أوصني بوصيّة، ينفعني الله بها، فقال: نعم وأكرم بك يا أبا ذر، إنّك منّا أهل البيت، وإنّي موصيك بوصيّة، إذا حفظتها فإنّها جامعة لطرق الخير وسُبله، فإنّك إن حفظتها، كان لك بها كفلان... يا أبا ذر، إنّ الرّجل يتكلّم بالكلمة من رضوان الله، جلّ ثناؤه، فيُكتب له بها رضوانه، إلى يوم القيامة، وإنّ الرّجل ليتكلّم بالكلمة في المجلس؛ ليُضحكهم بها، فيهوي في جهنّم، ما بين السّماء والأرض.([38])
ويُمكن المُناقشة في دلالة هذه الرّواية أيضاً:
إنّ الظّاهر من هذه الرّواية، إنّ الإنسان ربّما يتكلّم بكلمة، قد تكون كذلك، كالسّخرية والغيبة، ونحوها من المُحرّمات.
وهكذا ننتهي، بعد طي هذه الحصيلة من الرّوايات، إلى النّتائج التّالية:
أوّلاً: إنّ الأصل في اللهو، هو الحُرمة، إلاّ ما خرج بالدّليل.
ثانياً: إنّ النّسبة بين اللهو واللعب، هي العُموم والخُصوص من وجه، ولم يقم دليل على حُرمة مُطلق اللعب، بل خُصوص ما كان من اللهو.
ثالثاً: وكذلك النّسبة بين اللهو واللغو، هي العُموم والخُصوص من وجه أيضاً، ولم يقم دليل على حُرمة مُطلق اللغو، بل خُصوص ما كان منه من اللهو.
[1]) الأنفال: 60.
[2]) المبسوط: 1/136 "كتاب صلاة المُسافر، وراجع أيضاً النّهاية: 122.
[3]) السّرائر: 1/327.
[4]) السّرائر: 2/124.
[5]) يعني كلام المُحقّق.
[6]) المُعتبر: 2/471.
[7]) القواعد: 1/325.
[8]) المُختلف: 5/18.
[9]) المُهذب البارع: 3/82.
[10]) الرّياض: 2/41.
[11]) المكاسب: 2/47.
[12]) مُصباح الفقاهة ـ موسوعة الإمام الخوئي: 1/420.
[13]) يقصد به الشّيخ الأعظم.
[14]) مُصباح الفقاهة ـ موسوعة الإمام الخوئي: 1/420.
[15]) الاستبصار: 1/236 التّهذيب: 4/220، مُنتهى المطلب: 2/598، مجمع الفائدة: 3/382، نهاية الأحكام: 2/181، الوسائل: 11/461.
[16]) الوسائل: 8/479، ورواها الصّدوق في من لا يحضره الفقيه: 1/452، عن عيص بن القاسم، ورواها الجواهري في الجواهر، عن صفوان والعيص: 14/268.
[17]) الكافي: 2/438، التّهذيب: 3/217، الاستبصار: 1/236.
[18]) عيون أخبار الرضا4: 2/127، بحار الأنوار: 76/12.
[19]) نفس المصدر السّابق.
[20]) أمالي الشّيخ الطّوسي:336، عنه البحار: 70/157، مستدرك سفينة البحار: 9/293، الوسائل: 17/315.
[21]) الكافي: 5/50، الفصول المُهمّة للعاملي: 3/350، الوسائل: 11/493، بحار الأنوار: 61/216.
[22]) أي في روايات هذه الطّائفة.
[23]) وهي أقوى ما يُمكن أن يُستند به على المطلوب.
[24]) الأنبياء: 16 ـ 18.
[25]) الكافي: 6/433.
[26]) الفرقان:72.
[27]) وسائل الشّيعة: 17/308، بحار الأنوار: 66/262.
[28]) عيون أخبار الرّضا4: 1/17، وجاء في الكافي: 6/435، مانصّه: عن عليّ بن الرّيان، عن يونس قال: سألت الخراساني4 وقلت: إنّ العبّاسي ذكر أنّك تُرخّص في الغناء، فقال: كذب الزّنديق، ما هكذا قلت له، سألني عن الغناء، فقلت له: إنّ رجلاً أتى أبا جعفر4 فسأله عن الغناء، فقال: يا فلان، إذا ميّز الله بين الحقّ والباطل، فأنّى يكون الغناء، فقال: مع الباطل، فقال: قد حكمت.
[29]) الحديد: 20.
[30]) الفُرقان: 72.
[31]) معاني الأخبار للشيخ الصدوق: 270، بحار الأنوار: 70/375.
[32]) كتاب المكاسب للشيخ الأنصاري: 2/47.
[33]) الفُروق اللغوية، لأبي هلال العسكري: 469.
[34]) أي الشّيخ الأنصاري في المكاسب.
[35]) كتاب المكاسب: 2/46.
[36]) سورة المُؤمنون: 1 ـ 3.
[37]) القصص: 55.
[38]) الأمالي للشّيخ الطّوسي: 525, مكارم الأخلاق للشّيخ الطّبرسي: 458، الوسائل: 8/577، ب 140، ح 4.