المقام الأوّل

في تعريف السّبق والرّماية

وبعض المُصطلحات الواردة فيهما

وفي معانيها

 

تعريف السّبق والرّماية

وبعض المُصطلحات الواردة فيهما وفي معانيها

لقد تعارف عند المُصنّفين من الفُقهاء في كُتبهم الفقهيّة، أن جعلوا باباً خاصّاً أو كتاباً خاصّاً، سمّوه (كتاب أو رسالة السّبق والرّماية)....

والظّاهر أنّ السّبق مُختصّ بالخيل والإبل، والرّماية مُختصّة بالسّهام.

وبعض الفُقهاء عنون الكتاب بالمُسابقة والمُناضلة، كما قال صاحب المسالك.([1]) وهذا يدلّ على أنّ المُناضلة والرّمي بمعنى واحد، كما صرّح بذلك الجواهري والفيومي وغيرهما، وعلى ضوء ذلك يكون إطلاق السّبق على المُسابقة بالخيل والإبل إطلاقاً حقيقيّاً، وعلى المُسابقة بالرّمي إطلاقاً مجازيّاً، صرّح بذلك العلاّمة في التّذكرة.([2])

ويُحتمل أن يكون الرّمي والمُناضلة عطف تفسير للسّبق، فيكون المُراد منهما المُسابقة في الرّمي، وكيفما كان فعلى ضوء ما ذكره المشهور، يكون السّبق ـ بسكون الباء ـ إجراء الخيل وشبهها في حلبة السّباق؛ ليعلم الأجود منها، والأفرس من الرّجال المُتسابقين، أمّا السّبق ـ بالفتح ـ فهو المال المجعول والعوض، ويسمّى الخطَر والنّدَب والرّهن.

والسّبق ـ بسكون الباء ـ مصدر سبق يسبق سبقاً ومُسابقة. وفي الصّحاح، جعل السّبق ـ بسكون الباء ـ مصدر سابق. ولعلّه أوفق؛ لأنّ الواقع في المُعاملة، كون العمل بين اثنين فصاعداً، فباب المُفاعلة أولى، كما ذكر الشّهيد الثّاني.([3])

والرّمي: هو المُناضلة بالسّهام؛ ليعرف حدق الرّامي، ومعرفته بمواقع الرّمي.([4])

والرّمي والنّضال بمعنى واحد، كما أشرنا إلى ذلك.

ويتداول في هذا الباب مُصطلحات أخرى، كالسّابق والمُعلي والتّالي والمرتاح وغير ذلك، فلا بأس بالإشارة إلى معاني هذه الاصطلاحات، فنقول:

السّابق: هو المُتقدّم بالعنق والكتد([5]) ـ بفتح التّاء وكسرها ـ كما ذكر المحقّق والعلامة وغيرهما.([6])

وقال الشّيخ الطّوسي في الخلاف: الاعتبار في السّبق بالهادي، وهو العنق والكتد.([7])

وابن الجنيد اختار أنّ السّابق هو المُتقدّم بالأذن.([8])

وهذا اختيار الثّوري أيضاً، حيث قال: الاعتبار بأذنيه، فإنّه متى سبق بهما فقد سبق.([9])

ويسمّى السّابق أيضاً بالمُجلي، وإنّما سُمّي بذلك؛ لأنّه كأنّما جلى عن نفسه، وعبّر عنها، وأظهرها بسبقه، أو جلى عن صاحبه وأظهر فروسيّته، أو جلى همّه بأن سبق.

والمُصلي: هو الذّي يأتي بعد السّابق، بحيث يحاذي رأسه صلوي السّابق.

قال الشّيخ الطّريحي:

«الصّلوان» العظمان النّابتان عن يمين الذّنب وشماله، ومنه قيل للفرس الذّي بعد السّابق «المُصلّي» لأنّ رأسه عند صلا السّابق. وعليه حمل قوله تعالى: ©لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ¨ أي لم نك من أتباع السّابقين.([10])

والتّالي: هو الثّالث، أي الذّي يأتي بعد المصلّي.

والبارع: وهو الرّابع، وسمّي بذلك؛ لأنّه برع على المُتأخّر عنه وفاقه.

والمرتاح: هو الخامس من خيل السّباق، وسمّي بذلك؛ لأنّ معنى الارتياح هو النّشاط، فكأنّه نشط ولحق بالسّوابق.

والحظي: هو السّادس، وسمي بذلك؛ لأنّه حظى عند صاحبه، ولحق بالسّوابق، وصار ذا حظوة عند صاحبه.

والعاطف: هو السّابع، وسمي بذلك؛ لأنّه عطف إليها ومال إليها وكرّ عليها، فلحقها.

والمؤمّل: هو الثّامن، وسمي بذلك؛ لأنّه مؤمل سبقه، أو إحدى السّوابق.

واللطيم: هو التّاسع، وسمي بذلك لأنّه يلطم، إذا أراد الدّخول إلى الحجرة الجامعة للسّوابق.

والسّكيت: هو العاشر، وسمي بذلك؛ لسكون صاحبه، إذا قيل لمن هذا، أو لانقطاع الجري عنده.

الفسكل ـ بكسر الفاء أو بضمّها ـ : هو آخر فرس في الرّهان، وقيل هو السّكيت، أي العاشر.

وقال ابن منظور في لسان العرب: الذّي يجيء في الحلبة آخر الخيل.([11])

المُحلّل: هو الذّي يدخل بين المُتراهنين، ولا يبذل معهما رهناً، بل يجري فرسه بينهما، أو في أحد الجانبين، على وجه يتناوله العقد، فإن سبق أخذ الرّهن، وإن لم يسبق لم يغرم شيئاً. وإنّما سُمّي مُحلّلاً؛ لتحريم العقد المذكور بدونه، إذا أخرج السّبق كُلّ من المُتسابقين عند ابن الجنيد([12]) والشّافعي([13]) مُعلّلين ذلك بكونه قماراً.

الرّشق: ـ بكسر الرّاء ـ عبارة عن عدد الرّميّ، يُقال رمى رشقاً، أي رمى سهامه التي يريد رميها كلّها. ـ وبفتح الرّاء ـ عبارة عن الرّمي، يقال رشق رشقاً إذا رماه بالسّهم، وليس له عدد معلوم عند الفُقهاء، بل على أيّ عدد يتفقان عليه، وعند أهل اللغة عبارة بين عشرين إلى ثلاثين.([14])

أمّا السّهام فهي على أنواع، منها:

الحابي: والمشهور أنّ الحابي ما وقع بين يدي الغرض، ثمّ وثب إليه فأصابه، وهو مأخوذ من حبو الصّبي.

المُزدلف: هو الذّي يضرب الأرض ثمّ يثبت إلى الغرض، فهو أحدّ.

والمشهور أنّ الحابي هو نوع من المُزدلف، يفترقان في الاسم ويستويان في الحُكم؛ لأنّ المُزدلف، هو الذّي يضرب الأرض ثمّ يثبت إلى الغرض، والحابي أضعف.([15])

الخاصر: هو ما أصاب أحد جانبي الغرض، ومنه الخاصرة؛ لأنّها في أحد جانبي الإنسان، ويُسمّى أيضاً جابراً.([16])

الخارم: هو الذّي يخرم حاشية الغرض، بأن يُصيب طرفه فلا يثقبه، ولكن يخرمه.([17])

الخازق: هو ما أخدش الغرض ولم يثقبه، كما ذكر العلاّمة، لكن كلام أهل اللغة على خلاف ذلك، كما قال صاحب الحدائق: إنّ الخازق هو الذّي ينفذ في الغرض.([18])

الخاسر: وهو السّهم الذّي يثقب الغرض، ويثبت فيه.

المارق: وهو ما نفذ الغرض ووقع مجاوراً به، ويُسمّى الصّادر والدّائر.

الحاصل: وهو المُصيب للغرض كيف كان.([19])

الخاطف: هو المُرتفع في الهواء، يخطف نازلاً، فإن أخطأ حُسب عليه، وإن أصاب قيل يحسب له لحصوله برميه، وقيل عليه؛ لأنّ تأثير الرّمي في ارتفاع السّهم، وأمّا سقوطه فبثقله، وهبوطه بطبعه، فصار مُصيباً بغير فعله، وإذا لم يكُن مُصيباً كان مُخطئاً، وقيل لا يحسب له ولا عليه؛ لأنّه ما أخطأ.واستوى حاله، فإن لم يكُن مُصيباً لا يكون مُخطئاً.([20])

الطّامح: قيل هو الذّي قارب الإصابة، ولم يصب، وقيل: هو الواقع بين الشّق ورأس الهدف.([21])

الطّائش: هو الذّي لا يعرف مكان وقوعه، وهو محسوب من الخطأ.

العابر: هو المُصيب، الذي لا يُعرف راميه، فلا يحسب لواحد من الرّامين للجهل به.([22])

العاضد: هو الواقع من أحد الجانبين.

المُعظعظ: الذّي يميل يميناً وشمالاً، أي يضطرب ويلتوي.

الزّاهق: الذّي يتجاوز الهدف، من غير إصابة.

الحابض: هو الذّي يقع بين يدي الرّامي، من حبض السّهم، أي طاش ولم يصب الهدف.

الدّابر: هو الذّي يخرج من الهدف، وهو المارق أيضاً.

المُرتدع: هو الذّي ينشدخ وينكسر، إذا أصاب الغرض.

 


[1]) مسالك الأفهام: 6/74.

[2]) تذكرة الفُقهاء: 2/360.

[3]) مسالك الأفهام: 6/72.

[4]) المُهذب البارع: 3/79.

[5]) الكتَد: هو الكاهل، وهو العالي ما بين أصل العنق والظّهر، وهو من الخيل مكان السّنام من البقر، وهو مُجتمع الكتفين.

[6]) شرائع الإسلام: 2/462، قواعد الأحكام: 2/372.

[7]) الخلاف: 6/104.

[8]) ذكر ذلك ابن العلامة في إيضاح الفوائد: 2/363، وكذلك المُحقّق الكركي في جامع المقاصد: 8/321.

[9]) حُلية العُلماء: 5/472.

[10]) مجمع البحرين: 2/633.

[11]) لسان العرب: 11/520.

[12]) نقله عنه العلامة في المُختلف:484.

[13]) المجموع: 15/150. راجع المبسوط: 6/297.

[14]) راجع المبسوط: 6/297.

[15]) لسان العرب: 14/162، التّذكرة: 2/360.

[16]) راجع المهذب البارع: 3/87.

[17]) المسالك: 6/79.

[18]) الحدائق: 22/371.

[19]) المصدر السّابق.

[20]) المصدر السّابق: 87.

[21]) المصدر السّابق.

[22]) المهذب البارع: 3/88.